أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

السياسات الصحيحة في الزمن الخطأ!

في قراءتي الأخيرة لكتاب سادة المال «Lords of Finance»، شدتني فكرة لطالما تكررت في تجارب الأزمات الاقتصادية الكبرى كالكساد العظيم، وأزمة ولستريت، وأزمة النمور الآسيوية، والأزمة المالية العالمية 2007 وغيرها من الأزمات المالية والاقتصادية التي تكررت عبر التاريخ. تتمثل الفكرة في كون أن ليست كل السياسات الخاطئة وليدة نوايا سيئة، فكثير من الإخفاقات الاقتصادية الكبرى نشأت من سياسات صُمّمت أصلاً لحماية الاستقرار، لكنها أُديرت بعقلية جامدة، أو طُبقت في توقيت غير مناسب، أو فُصلت لواقع اقتصادي غير حقيقي. ومن هذا المبدأ، فالخطر يكمن في طريقة تطبيق تلك السياسات، وتوقيتها، وقدرتها على التكيّف مع المتغيّرات. وبناء على ذلك، تأتي هذه القراءة بوصفها تأملاً في العلاقة المعقدة بين الانضباط والمرونة في صنع القرار الاقتصادي، وكيف يمكن للسياسات «الصحيحة نظرياً» أن تتحوّل، في غياب التكيّف ومحاكاة الواقع، إلى قرارات مكلفة على الاقتصاد.

المشكلة تبدأ حين تتحول السياسة الاقتصادية إلى «عقيدة» وكأن عليها قدسية لا يمكن المساس بها. عندها تصبح المؤشرات المالية جميلة على الورق، فيما يدفع الاقتصاد الثمن على شكل بطالة أعلى، واستثمارات مؤجلة، أو ضغوط اجتماعية.

أحد أخطر الأوهام في إدارة الاقتصاد هو الاعتقاد بأن السياسات النقدية محايدة سياسياً واجتماعياً، ولكن الحقيقة أن كل قرار نقدي أو مالي يعيد توزيع المخاطر والدخول والفرص داخل المجتمع. فعلى سبيل المثال، رفع تكلفة التمويل، أو التشديد النقدي، أو التركيز الأحادي على مؤشرات معينة، قد يبدو منطقياً من زاوية ضيقة، لكنه قد يُحدث آثاراً ممتدة تتجاوز الأسواق إلى حياة الناس واستقرار الأعمال.

الأزمات التاريخية أثبتت لنا أن الجمود المؤسسي غالباً ما يكون أكثر كلفة من الخطأ نفسه. فالتأخر في تعديل المسار، أو الإصرار على سياسة أثبت الواقع محدودية فعاليتها، يحوّل التحديات المؤقتة إلى أزمات طويلة المدى. وبناء على هذا التصور، مرات كثيرة نحتاج إلى المرونة وامتلاك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بأن الظروف تغيّرت، وأن الأدوات لم تعد صالحة لهذه الحقبة وتحتاج إلى تحديث.

نعم نؤمن أن لكل دولة سيادتها في تحديد سياستها النقدية والمالية والاقتصادية، ولكن علينا أيضاً أن نعترف أن غياب التنسيق بين صانعي السياسات سواء داخل الدولة الواحدة أو على المستوى الدولي يزيد من حدة الصدمات ويزيد من طول أمدها. فالاقتصاد المعاصر مترابط بطبيعته، وما يبدو قراراً داخلياً بحتاً، غالباً ما تكون له انعكاسات خارج الحدود. ومن هنا، فإن الانكفاء على منظور ضيق قد يمنح شعوراً زائفاً بالسيطرة، بينما تتراكم المخاطر في الحديقة الخلفية.

اليوم، في عالم تتسارع فيه الصدمات وتتشابك فيه المخاطر، يصبح التحدي الأكبر أمام صناع القرار هو تجنب الوقوع في فخ السياسات الصحيحة في الزمن الخطأ فالتاريخ يحاسب على النتائج. والاقتصاد، في نهاية المطاف، اختبار للحكمة والتوقيت والقدرة على رؤية الصورة الكاملة. الدرس الأهم الذي يجب أن يكون نُصب صناعي السياسات هو أن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى توازن ذكي بين الانضباط والمرونة، وبين حماية المؤشرات المالية ودعم الاقتصاد الحقيقي، وبين الالتزام بالقواعد والقدرة على مراجعتها عندما تستدعى الضرورة. فالسياسة الاقتصادية الناجحة ليس بالضرورة أن تظل في المسار الصحيح دائماً، ولكن لا بأس أن تتعثر بين الفينة والأخرى وريثما تعاود النهوض وتتعلم بسرعة وتعدّل مسارها قبل أن تتضخم الكلفة.

00:00 | 22-01-2026

البنك الوقفي كرافعة لاستدامة القطاع غير الربحي (2-2)

في السياق السعودي، لا يمكن تناول البنك الوقفي بوصفه امتداداً تقليدياً لمفهوم الوقف، بل باعتباره أداة مؤسسية حديثة تتسق بعمق مع منطق رؤية السعودية 2030، التي أعادت تعريف أدوار الدولة، والسوق، والقطاع غير الربحي ضمن نموذج تنموي أكثر كفاءة واستدامة.

رؤية 2030 لم تنظر إلى القطاع غير الربحي كقطاع هامشي أو نشاط تكميلي، بل كركيزة ثالثة في الاقتصاد الوطني، لها مستهدفات كمية واضحة، وحوكمة، وقدرة على توليد الأثر الاجتماعي والاقتصادي. هذا التحوّل الطموح كشف فجوة حقيقية فالطموحات توسعية، لكن أدوات التمويل السائدة في القطاع غير الربحي ما زالت تقليدية، تعتمد في الغالب على التبرعات الموسمية، والمنح غير المستقرة، والإنفاق المباشر. من هذا المبدأ، تعد هذه الأدوات لا تتماشى مع منطق الاستدامة ولا مع متطلبات التوسع المؤسسي.

من هنا، تبرز أهمية البنك الوقفي كحل هيكلي، لا كشكل خيري. فجوهر البنك الوقفي يتمثّل في تحويل الأصول الوقفية من أصول ساكنة إلى رؤوس أموال عاملة، تُدار وفق مبادئ مالية احترافية، وتُستثمر بعقلية طويلة الأجل، مع الحفاظ على الغاية الاجتماعية للأصل الوقفي. هذا التحول ينسجم مع توجه السعودية نحو تعظيم كفاءة استخدام الموارد، سواء كانت عامة أو خاصة.

تكمن أهمية البنك الوقفي في التحوّلات الجارية للقطاع غير الربحي في ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو الاستدامة المالية؛ إذ يوفر البنك الوقفي مصدر تمويل غير مرتبط بتقلبات التبرعات، ما يسمح للمنظمات غير الربحية بالتخطيط بعيد المدى بدل إدارة الأزمات قصيرة الأجل. المسار الثاني هو الحوكمة والشفافية؛ فإدارة الأصول الوقفية ضمن إطار مصرفي أو شبه مصرفي تفرض معايير أعلى من الإفصاح، وإدارة المخاطر، وقياس العائد، والأثر. أما المسار الثالث فهو تعظيم الأثر؛ حيث ينتقل العمل غير الربحي من منطق «الصرف» إلى منطق «التمويل المبني على النتائج».

اقتصادياً، يمثل البنك الوقفي أداة ذكية لتخفيف الضغط عن المالية العامة دون تحميل المواطن أو الدولة أعباء إضافية. فتمويل التعليم، أو الصحة، أو الإسكان الاجتماعي عبر عوائد وقفية مستثمرة يقلل الحاجة إلى الإنفاق الحكومي المباشر، ويخلق شراكة مستدامة بين الدولة والقطاع غير الربحي، دون أن تفقد الدولة دورها التنظيمي أو الرقابي.

غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في الفكرة ذاتها، بل في سرعة الانتقال من القناعة إلى التنفيذ. فالتباطؤ في تصميم نموذج حوكمة واضح للبنك الوقفي، أو الاستمرار في إخضاعه لمنطق الصرف قصير الأجل بدل الاستثمار طويل الأجل، يعني عملياً إهدار فرصة تنموية تتسع فجوتها مع الزمن. نجاح التجربة السعودية يتطلب تحركاً مؤسسياً عاجلاً لبناء نموذج متوازن منذ البداية؛ نموذج يرسخ الانضباط المالي، ويحمي مقاصد الوقف، ويواكب مستهدفات التنمية الوطنية، قبل أن تتحول الحاجة إلى عبء، والطموح إلى تكلفة مؤجلة. في المحصلة، البنك الوقفي ليس ترفاً مؤسسياً، بل استجابة اقتصادية ناضجة لمرحلة تحول كبرى. وهو أحد المفاتيح التي يمكن أن تنقل القطاع غير الربحي في السعودية من الاعتماد إلى الاستدامة، ومن العمل الخيري إلى العمل التنموي المؤثر.

00:06 | 15-01-2026

البنك الوقفي كأداة تنموية (2-1)

لأكثر من قرون، كان الوقف أحد أكثر الأدوات الاقتصادية فاعلية في تمويل التعليم والصحة والبنية الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. غير أن ما خسرناه عبر الزمن ليس الوقف ذاته، بل المؤسسة المالية التي كانت تديره. اليوم، ومع تعقّد الاقتصادات وتحوّل العمل الخيري إلى قطاع منظم، لم يعد الوقف التقليدي قادراً وحده على تعظيم الأثر أو الاستدامة. هنا يظهر مفهوم البنك الوقفي، لا بوصفه كياناً خيرياً، بل كمؤسسة مالية تنموية ذات منطق اقتصادي فاعل.

البنك الوقفي لا يعني «بنك صدقات»، بل هو إطار مصرفي يستثمر أصول الأوقاف وفق حوكمة مالية، ويعيد توجيه العوائد إلى أغراض اجتماعية محددة مسبقاً كالتعليم، والصحة، والإسكان، والبحث العلمي، وتمكين القطاع غير الربحي بشكل عام. الفارق الجوهري أن رأس المال الوقفي لا يُستهلك، بل يُدار ويُنمّى، فيتحول من أصل جامد إلى محرك اقتصادي دائم ومستدام.

الاقتصاد الحديث يفرّق بوضوح بين الإنفاق الجاري والتمويل المستدام. كثير من المبادرات الخيرية تفشل ليس لسوء النية، بل لأنها تعتمد على تدفقات تبرعية متقلبة. البنك الوقفي، في المقابل، يعالج هذه المعضلة عبر فصل مصدر التمويل عن دورة التبرع الموسمي، وربط الأثر الاجتماعي بعوائد استثمارية طويلة الأجل. هذا التحول ليس أخلاقياً فقط، بل محاسبياً واقتصادياً.

من منظور الاقتصاد المؤسسي، يمثّل البنك الوقفي حالة نادرة تجمع بين ثلاثة قطاعات هي: المالي، وغير الربحي، والتنمية الاجتماعية. لكنه يختلف عن البنوك التجارية في غاية الربح، ويختلف عن الجمعيات الخيرية في أدوات العمل. الربح هنا ليس غاية، بل وسيلة لضمان الاستمرارية. وهذه النقطة تحديداً هي التي يساء فهمها في النقاش العام إذ يُنظر لأي ربح مرتبط بالوقف وكأنه انحراف، بينما هو في الحقيقة شرط بقاء.

التجارب الدولية أثبتت أن إدارة الأصول الوقفية بأسلوب مصرفي محترف ترفع كفاءة استخدام الموارد وتقلل الهدر وتزيد الشفافية. الأوقاف الجامعية الكبرى في العالم، على سبيل المثال، لا تُدار بعقلية «الصرف»، بل بعقلية «المحفظة الاستثمارية»، حيث تُقاس المخاطر والعوائد والأثر.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نحتاج بنكاً وقفياً، بل: هل يمكن لاقتصاد حديث أن يستمر في إدارة أصول وقفية ضخمة خارج إطار مالي مؤسسي؟ في ظل تصاعد التحديات الاجتماعية، وتنامي الطلب على الخدمات غير الربحية، يصبح البنك الوقفي ليس ترفاً فكرياً، بل استجابة اقتصادية عقلانية لتحويل العمل الخيري من ردّة فعل إلى سياسة تنموية.

00:05 | 14-01-2026

قراءة في خطة الاقتراض للعام 2026

تشهد المالية العامة في المملكة العربية السعودية مرحلة لافتة من التطوّر، من حيث طريقة إدارة الموارد والالتزامات المالية بما يتناسب مع طبيعة التحوّل الاقتصادي الجاري. فالمملكة اليوم لا تنظر إلى الدَيْن العام باعتباره ظرفاً استثنائياً، بقدر ما تتعامل معه كإحدى الأدوات المالية التي يمكن توظيفها لدعم التنمية ضمن إطار مدروس ومتوازن.

تشير الأرقام إلى أن حجم الدَيْن العام بلغ بنهاية عام 2025 نحو 1.52 تريليون ريال، أي ما يعادل قرابة 33% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تزال ضمن الحدود الآمنة المعتمدة مالياً، وأقل من متوسطات كثير من الاقتصادات الكبرى. ويلاحظ كذلك أن الدَيْن المحلي يشكّل نحو 62% من الإجمالي مقابل 38% للدَيْن الدولي، فيما تمثّل العوائد الثابتة النسبة الأكبر من هيكل المحفظة.

أما على مستوى الميزانية، فتشير تقديرات عام 2026 إلى تسجيل عجز يقارب 165 مليار ريال، إضافة إلى استحقاقات أصل دين بنحو 52 مليار ريال، ليصل إجمالي الاحتياج التمويلي المتوقع إلى حوالى 217 مليار ريال.

هذه المعطيات لا تعكس مجرد توسع في حجم الدَيْن، بقدر ما تشير إلى تبني نهج مالي أكثر مرونة، يقوم على تحقيق توازن صعب بين تمويل مشاريع التحول الاقتصادي والمحافظة على متانة المركز المالي للدولة. المملكة تنتقل تدريجياً إلى نموذج مالي حديث يعتمد على تنويع مصادر التمويل وإدارة المخاطر بصورة مؤسسية، في وقت لا تزال فيه مستويات الدَيْن تحت السيطرة.

اللافت في التجربة السعودية أن إدارة الدَيْن العام أصبحت جزءاً من رؤية أشمل لتطوير أسواق الدَيْن المحلية وتعزيز ثقة المستثمرين، مع توزيع مدروس لآجال الاستحقاق وتقليل مخاطر التمويل. كما أن عمليات إعادة الشراء المبكر لجزء من أدوات الدَيْن خلال عام 2025 تعطي إشارة واضحة على تبني نهج استباقي في إدارة الالتزامات الحكومية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن تنفيذ المشاريع التحولية الكبرى يحتاج إلى درجة أعلى من المرونة في إدارة المالية العامة، وهو ما يجري التعامل معه بروح واقعية تأخذ في الحسبان تقلبات أسعار الفائدة والنفط وتغيرات الاقتصاد العالمي. وتبقى قوة المركز المالي للمملكة، والتصنيف الائتماني المرتفع، ووجود احتياطيات داعمة، عوامل رئيسية في تعزيز الاطمئنان تجاه الاستدامة المالية.

صحيح أن ارتفاع مستويات الدَيْن العام أصبح سمة عالمية، إلا أن جوهر التحدي لا يكمن في الرقم ذاته، بل في كيفية استخدام الدَيْن. فالدَيْن الذي يذهب إلى استثمارات منتجة تعزز النمو غير النفطي وتوسع قاعدة الاقتصاد، يبقى أداة تنموية لا عبئاً مالياً، وهذا هو الاتجاه الذي تظهره السياسات الاقتصادية في المملكة خلال المرحلة الحالية.

على المدى المتوسط، فإن متابعة تطوّرات النشاط الاقتصادي واتساع قاعدة القطاعات غير النفطية ستظل عاملاً حاسماً في تقييم تجربة إدارة الدَيْن العام، ومدى قدرتها على دعم مسار التنمية دون الإخلال بالتوازن المالي. وربما يمكن القول إن ما يميّز التجربة السعودية اليوم هو ذلك المزيج بين الانضباط المالي من جهة، والطموح التنموي من جهة أخرى، وهو توازن ليس سهلاً، لكنه ضروري لبناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على مواجهة متغيّرات المستقبل.

00:01 | 8-01-2026

الدَّيْن العام في زمن الهشاشة!

ارتفاع معدلات الديون العالمية ينذر بدخول النظام المالي العالمي مرحلة جديدة، وخاصة في الاقتصادات الكبرى والتي ترافق معها زيادة الاعتماد على مؤسسات مالية غير مصرفية في تمويل السندات الحكومية. هذا التحوّل يشكّل مصدرًا متناميًا للهشاشة المالية يمكن أن يضاعف آثار الصدمات الاقتصادية مستقبلاً. ومن هذا المنطلق، يدخل الدين العام العالمي مرحلة أكثر تعقيدًا وقصةً كبيرة ترسم ملامح النظام المالي العالمي. يعود السبب في ذلك، إلى ارتفاع أسعار الفائدة، وتزايد الحاجات التمويلية، وتقلّص المساحة المريحة التي طالما تحركت داخلها السياسات المالية.

العالم يواجه اليوم واقعًا جديدًا لا مفر منه يتمثل في شيخوخة السكان التي تزيد عبء التقاعد والرعاية الصحية، وارتفاع الإنفاق على الأمن والدفاع في ظل توترات جيوسياسية متزايدة، ومتطلبات استثمارية ضخمة للتحوّل نحو الطاقة النظيفة ربما تمتد عبر عقود. هذا كله يؤكد أن الحكومات ستكون في حالة اقتراض مستمر لفترة أطول، في زمن قد يكون المال الرخيص قد انتهى عصره في ظل مخاطر أعلى وتوقعات أكثر حذرًا.

كيفية ومن يمول هذا الدَّيْن هو السؤال المهم المُلح في هذا التوقيت! فبدلًا من الاعتماد التقليدي على البنوك، أصبح جزء متزايد من السندات الحكومية يمول عبر مؤسسات مالية غير مصرفية كصناديق التقاعد، وصناديق التحوط، ومديري أصول يبحثون عن العائد في بيئة متقلّبة. الخطر يكمن أن هذه الجهات كثيرًا ما تعتمد على أدوات تمويل قصيرة الأجل، وأساليب رفع مالي تجعلها حسّاسة جدًا لأي تغيّر في السيولة أو أسعار الفائدة.

ما يزيد المشهد ربكة، تحول الأسواق من مستثمر هادئ إلى بائع شرس، حيث تُجبر هذه المؤسسات على تصفية مراكزها لتغطية نداءات الهامش مع أول هزة اقتصادية أو مالية مفاجئة كارتفاع مفاجئ في العوائد أو تشديد للسيولة. هنا تبدأ السبحة في الانفراط فترتفع العوائد أكثر، وتتراجع الأسعار، وتزداد الضغوط عبر قنوات متشابكة تمتد إلى أسواق التمويل وأسواق إعادة الشراء. وفي لحظاتٍ كهذه، تصبح السندات الحكومية التي كانت تُوصف يومًا بأنها الملاذ الآمن جزءًا من مصدر الخطر نفسه.

وهنا يطل علينا السؤال الحاد كمقدمة السهم: هل لا تزال قواعد تحليل الاستدامة المالية المعتمدة على معادلة الفائدة والنمو والعجز كافية لفهم المخاطر الحديثة؟ حتمًا الإجابة المؤكدة لا. فالأسواق الآن لم تعد مجرد مرآة للاقتصاد، بل أصبحت قوةً مؤثرة قادرة على إعادة تسعير المخاطر بسرعة تفوق قدرة الحكومات على الاستجابة. وكلما ارتفع الدَّيْن، ارتفعت حساسية المالية العامة لهذه التحركات.

قد تكون إدارة هذه المرحلة ممكنة إذا تحركت الدول من خلال عدة محاور تتمثل في تحسين إدارة المخاطر في المؤسسات المالية غير المصرفية عبر رفع مستويات الشفافية وتقليل الاعتماد على الرفع المالي قصير الأجل، ودعم استقلالية السياسة النقدية لضمان ثبات توقعات التضخم ومنع الأسواق من المبالغة في تسعير المخاطر، وتبنّي مسارات تصحيح مالي تدريجية وموثوقة تعزز ثقة المستثمرين في استدامة الدَّيْن العام دون الإضرار بالنمو الاقتصادي. اليوم، الخطر الحقيقي لا يكمن في حجم الدين وحده، بل في تآكل الثقة، كون اهتزاز الثقة في الغالب يترافق معه كلفة اقتراض أعلى، وتضيق الخيارات المتاحة أمام صنّاع القرار. وبناء على تلك المعطيات، يتأكد بما لا يدع مجال للشك أن النظام المالي العالمي اليوم يعيش مرحلة انتقالية، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والسوق، وبين السياسة المالية والقطاع المالي. والاقتصادات التي ستنجح هي تلك التي تفهم أن الانضباط المالي لم يعد ترفًا، وأن الاستدامة ليست شعارًا، وإنما ضرورة لحماية الاستقرار والنمو على المدى الطويل.

00:05 | 1-01-2026

الديموغرافيا والتخطيط الاقتصادي..!

أظهرت دراسة حديثة انخفاض معدل الخصوبة في المملكة العربية السعودية من مستويات مرتفعة تاريخيًا قاربت سبعة مواليد لكل امرأة، إلى نحو 2.1 مولود، وهو مستوى يقترب من حد الإحلال السكاني. ولا يختلف اثنان على أن هذه المرحلة تمثّل نقطة انتقالية مهمة على الصعيد الديموغرافي، تتزامن مع تحوّلات اقتصادية واجتماعية واسعة. ومن هنا، فإن هذه التطوّرات لا تستدعي القلق بقدر ما تستدعي قراءة استباقية واعية، بوصفها جزءًا طبيعيًا من مسار التنمية والتحديث الذي تمر به الاقتصادات الصاعدة والمتقدّمة على حد سواء.

لقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحوّلات اجتماعية واقتصادية جوهرية، من أبرزها ارتفاع مستويات التعليم، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتغيّر أنماط الحياة. وتمثّل هذه التحوّلات مكاسب تنموية حقيقية تعكس تقدّمًا في بنية الاقتصاد والمجتمع. غير أن هذه المكاسب، إذا لم تُواكب بسياسات موازنة ومدروسة، قد تفرز آثارًا جانبية ديموغرافية، من أبرزها انخفاض معدلات الخصوبة وتأخر تكوين الأسر.

وفي هذا السياق، لم تعد المتغيّرات السكانية شأنًا اجتماعيًا بحتًا كما كان يُنظر إليها في السابق، بل أصبحت ركيزة أساسية في التحليل الاقتصادي وصناعة السياسات العامة. فالديموغرافيا اليوم تمثّل أحد المحددات الرئيسة لقدرة الاقتصادات على تحقيق نمو مستدام، وقياس كفاءة أسواق العمل، وتقدير حجم الطلب المحلي، واستشراف الضغوط المستقبلية على المالية العامة.

اقتصاديًا، يرتبط النمو طويل الأجل بتوازن دقيق بين حجم السكان، وتركيبتهم العمرية، ومستوى إنتاجيتهم. ومع تحسّن مستويات التعليم، وارتفاع معدلات المشاركة في سوق العمل، وتغير أنماط المعيشة، تميل معدلات النمو السكاني في كثير من الدول إلى التباطؤ. ويُعد هذا الاتجاه قابلًا للإدارة متى ما جرى استيعابه ضمن نماذج التخطيط الاقتصادي بعيدة المدى، بما يضمن تحويله من تحدٍ محتمل إلى عنصر قابل للتكيّف.

يُعد توزيع السكان بحسب الفئات العمرية أحد الجوانب المحورية في هذا الإطار. فالحفاظ على نسبة متوازنة من السكان في سن العمل يظل عاملًا مهمًا لدعم التوسع الاقتصادي وتلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية. وفي المقابل، فإن أي تحوّل تدريجي في هذه التركيبة يتطلب استعدادًا مؤسسيًا مبكرًا، لا سيما فيما يتعلق بأنظمة التقاعد، والرعاية الصحية، وسياسات سوق العمل.

ترتبط هذه الاعتبارات ارتباطًا مباشرًا بمستهدفات التنويع الاقتصادي ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني. فمواءمة الاستثمارات مع الخصائص الديموغرافية المستقبلية تُعد شرطًا أساسيًا لتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي، وضمان استدامة مكتسبات التنمية. وعليه، تمثّل الديموغرافيا اليوم متغيّرًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن الاستثمار أو الإنتاجية، وإدماج هذا البعد ضمن منظومة التخطيط الإستراتيجي يعزز من قدرة الاقتصاد السعودي على التكيف مع المتغيّرات، ويسهم في بناء مسار تنموي متوازن ومستدام يخدم الأجيال الحالية والمستقبلية.

00:02 | 25-12-2025

الذكاء الصناعي بين الفقاعة والقيمة!

في كل تحوّل تقني كبير، يتكرر السؤال ذاته: هل نحن أمام ثورة حقيقية تعيد تشكيل الاقتصاد، أم أمام فقاعة تضخم سرعان ما تنفجر؟ اليوم يُلح علينا هذا السؤال بقوة حول الذكاء الصناعي، في ظل الارتفاع الحاد في تقييمات الشركات، وتسارع الاستثمارات، وتزايد الحديث عن مستقبل الوظائف والإنتاجية.

إذا نظرنا من زاوية الأسواق المالية، تبدو بعض مؤشرات «الفقاعة» حاضرة وبقوة. وهذا ملاحظ من خلال شركات تُقيَّم بمليارات الدولارات قبل أن تحقق عوائد ملموسة، وتدفقات استثمارية تقودها التوقعات أكثر مما تقودها النتائج. من يقرأ التاريخ جيداً سيدرك أن هذا السلوك ليس جديدًا؛ فقد شهد العالم شيئًا مشابهًا في مطلع الألفية بما يسمى فقاعة الإنترنت، حين انفجرت التقييمات قبل أن تستقر التكنولوجيا في مسارها الطبيعي.

وحتى تتضح الرؤية، الاقتصادات لا تُقاس فقط بحركة الأسواق المالية، وإنما بما يترجم على أرض الواقع من اقتصاد حقيقي. وهنا تتغيّر الصورة، فالذكاء الصناعي بخلاف كثير من التقنيات السابقة، حيث إنه بدأ يُظهر أثرًا واضحًا على الإنتاجية، وهي المؤشر الأهم لأي ثورة اقتصادية. فعلى سبيل المثال، في الصناعة يُستخدم الذكاء الصناعي في الصيانة التنبؤية وتقليل الأعطال، وفي الصحة يسهم في التشخيص المبكر وتقليص الأخطاء الطبية، وفي الخدمات يرفع كفاءة العمليات ويخفض زمن الإنجاز والتكلفة.

وفي ضوء ما سبق، يكمن الفرق الجوهري، إذًا هو بين فقاعة مالية محتملة وثورة إنتاجية حقيقية. الفقاعات تولد حين تنفصل التقييمات عن القيمة المضافة، لكنها لا تُلغي جوهر الابتكار. فحتى فقاعة الإنترنت، رغم خسائرها، كانت البوابة التي خرج منها اقتصاد رقمي عملاق غيّر وجه العالم فيما بعد.

حتى نطلق على الذكاء الصناعي ثورة حقيقية من منظور اقتصادي، لا بد من أن يترافق معه خفض تكاليف الإنتاج، ورفع إنتاجية القوى البشرية، وتحسين جودة القرار. المؤكد اليوم، أن كل المؤشرات تشير إلى أنه يسير في هذا الاتجاه، وإن كان بوتيرة متفاوتة بين القطاعات والدول. ولهذا فإن السؤال الأدق ليس: هل الذكاء الصناعي فقاعة أم ثورة؟ بل: من سيحوّله إلى إنتاجية حقيقية، ومن سيكتفي بملاحقة الضجيج الاستثماري؟

إجابة السؤال أعلاه، يعتمد اعتماد كلياً على الدول التي تميّز بين الضجيج والقيمة. فالأسواق قد تضخّم التوقّعات وتولّد ضجيجًا ماليًا مؤقتًا، في حين تُترجم القيمة الفعلية إلى مكاسب إنتاجية مستدامة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

00:01 | 18-12-2025

جازان.. ركيزة الجنوب الاقتصادي..

في خريطة التحوّلات الاقتصادية التي تشهدها المملكة اليوم، تبرز جازان كواحدة من أكثر المناطق استعدادًا لتكون محركًا اقتصاديًا مهّمًا خلال العقد القادم، ليس لأنها تحمل إمكانات غير مستغلة فقط، بل لأنها تمتلك مزيجًا فريدًا من الموارد والموقع والبنية التحتية. وفي هذا السياق، تنطلق في جازان الأسبوع القادم جولة مسك، وهي مبادرة تهدف إلى إلهام الشباب الواعد في المنطقة وتمكينهم من اكتشاف مسارات جديدة في الإبداع وريادة الأعمال والابتكار. وستتضمّن الجولة جلسة حوارية بعنوان «جازان أرض الفرص وبوابة المستقبل»، وهي جلسة تعكس عمق التحوّلات التي تشهدها المنطقة والدور المتنامي للشباب في صياغة مستقبلها الاقتصادي. وجود مثل هذه المنصات يؤكد أن جازان ليست مشروعًا حكوميًا فقط، بل مشروعًا مجتمعيًا تشارك فيه المواهب الشابة لبناء اقتصاد جديد يقوم على الطموح والعمل والابتكار.

اقتصادياً، منطقة جازان تقف على شريط ساحلي إستراتيجي من أهم الممرات البحرية العالمية، على مقربة من خطوط التجارة التي تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، وهو ما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية في «طريق البحر الأحمر الاقتصادي» الذي أصبح اليوم أحد أعمدة التجارة الدولية. هذا الموقع لم يعد مجرد ميزة جغرافية، بل تحوّل إلى ميزة تنافسية اقتصادية مع جاهزية الميناء، والمنطقة الصناعية، وتكاملها مع الممرات اللوجستية الوطنية.

عندما ننظر إلى مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، ندرك أن المنطقة مشروع اقتصادي ضخم يعيد صياغة مستقبل الجنوب السعودي. فالمشاريع الصناعية القائمة والمخطط لها، من الطاقة والبتروكيماويات إلى المعادن والغذاء ستخلق منظومة إنتاج جديدة تدعم سلاسل التوريد المحلية، وتفتح الباب أمام توطين صناعات عالية القيمة. ومع اكتمال ربط المنطقة بالموانئ والطرق المحورية، ستصبح جازان إحدى أهم المرتكزات الصناعية واللوجستية في المملكة.

وهنا لابد من بيان، أن القوة الصناعية ليست وحدها ما يجعل جازان اقتصاد المستقبل. فالمنطقة تضم ثروة زراعية لا تتكرر في أي منطقة سعودية أخرى. كيف لا! وهي منطقة البن العربي ومزارع المانجو والموز والفاكهة الاستوائية، والتي تعد موارد ليست فقط ذات قيمة غذائية، بل ذات قيمة اقتصادية وسياحية أيضاً. ومع توجّه المملكة لتعزيز الأمن الغذائي والصناعات الزراعية، تصبح جازان مركزًا حيويًا لبناء سلاسل قيمة زراعية حديثة قادرة على المنافسة والتصدير.

ولا يمكن الحديث عن جازان دون ذكر جزر فرسان، أحد كنوز المملكة الطبيعية، والتي تمتلك مقوّمات تجعلها وجهة عالمية للسياحة البحرية ذات الشواطئ البكر، والمحميات الطبيعية، والحياة البحرية الغنية، وهي عوامل تتماشى مع إستراتيجيات السياحة الوطنية في تنويع التجارب المميزة وجذب الزوار من داخل المملكة وخارجها. فرسان قادرة على أن تكون «رئة سياحية» لجازان، ومحورًا لصناعة سياحة مستدامة تشكّل مصدر دخل وفرص عمل على مدى طويل.

علاوة على ذلك، في ظل وجود بنية سكانية شابة، وارتفاع الطلب على الخدمات، وتوسع مشاريع الإسكان، وتطوّر البنية التحتية للمطار والميناء والطرق، فإن المنطقة تمتلك كل مقوّمات التحول إلى اقتصاد ديناميكي قادر على جذب الاستثمارات وتوليد الوظائف وتعزيز التنوع الاقتصادي. المؤكد أن «جازان أرض الفرص وبوابة المستقبل» ليست شعارًا، وإنما وصف دقيق لمسار بدأ فعليًا، وتزداد سرعته عامًا بعد عام. فهذه المنطقة تمتلك ما يكفي لتكون مركزًا صناعيًا، وزراعيًا، وسياحيًا، ولوجستيًا يخدم المملكة والمنطقة، ويضيف قيمة اقتصادية حقيقية في العقد القادم وما بعده.

00:00 | 11-12-2025

ميزانية توسعية لا تخشى العجز

في الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى شدّ الأحزمة، وخفض النفقات، واعتماد سياسات مالية أكثر تشدّداً بسبب تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الدَين وتزايد حالة عدم اليقين، أعلنت السعودية هذا الأسبوع ميزانية توسعية تعاكس هذا الاتجاه العالمي. قد يبدو هذا التوجه استثنائياً، لكنه في الحقيقة يعكس فلسفة اقتصادية واضحة ترى أن الاستثمار في التحوّل الوطني اليوم أقل كلفة من تأجيله، وأن إنهاء المشاريع الكبرى هو الطريق الأسرع لتعظيم العوائد الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.

عالمياً، تتراجع الاستثمارات العامة في معظم الدول المتقدّمة. الولايات المتحدة وأوروبا تتأثران بارتفاع كلفة التمويل نتيجة الفائدة المرتفعة، بينما تتعامل اقتصادات آسيوية عديدة مع ضغوط الديون وضعف الإنتاجية. ومن هذا المنطلق، تفضّل الحكومات العالمية تقليص الإنفاق الرأسمالي وتأجيل المشاريع الكبرى، ليس رغبة في الإصلاح، بل خشية من تضخم جديد أو هزات مالية غير محسوبة.

في المقابل، السعودية تسير عكس هذا المسار بدافع الثقة البنيوية في قوة اقتصادها ووضوح أهدافها. السبب الأول لهذا التفرد هو أن مستويات العجز في الميزانية السعودية تبقى من الأدنى عالمياً مقارنة بالاقتصادات الكبرى. فبينما يسجل العجز الأمريكي ما بين 6 إلى 8% من الناتج، والأوروبي بين 4 و6%، تحافظ المملكة على عجز منضبط ومرن، مدعوماً بمزيج من قوة المالية العامة وانخفاض الدين العام ووجود أصول استثمارية كبيرة عبر الصناديق الحكومية. بمعنى آخر، العجز السعودي ليس نتاج خلل هيكلي في الإيرادات، بل نتيجة استثمار متعمّد في مشاريع مستقبلية.

السبب الثاني أن الإنفاق السعودي ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل إنفاق رأسمالي موجّه نحو قطاعات عالية العائد تتمثل في البنية التحتية، والصناعة، واللوجستيات، والسياحة، والطاقة المتجدّدة، والنقل، والتقنية. هذه المشاريع ليست مجرد منشآت، بل ركائز لإنتاجية أعلى ستولد إيرادات غير نفطية، ووظائف نوعية، وحركة استثمارية متسارعة في السنوات القادمة. وهنا تبدو الفلسفة واضحة، إنهاء المشاريع الكبرى اليوم أفضل بكثير من إبطائها أو إعادة جدولتها، لأن كلفة التأخير أعلى من كلفة التمويل نفسه.

تتبنى السعودية اليوم إستراتيجية مالية شبيهة بما قامت به الاقتصادات التي نجحت في التحوّل الهيكلي خلال العقود الماضية. على سبيل المثال، اليابان استثمرت بكثافة في بنيتها التحتية رغم ارتفاع الدين، والولايات المتحدة أطلقت أكبر خطط صناعية منذ الثمانينيات عبر قانون CHIPS، وكوريا الجنوبية ضاعفت إنفاقها الاستثماري رغم تباطؤ النمو. الفكرة الجوهرية هنا هي أن الدول لا تتقدم عبر تقليص الإنفاق، بل عبر توجيهه نحو القطاعات التي تضاعف الناتج لاحقاً.

الميزانية السعودية للعام 2026 تحسب كإستراتيجية نمو مدروسة، ترى أن المستقبل يُصنع بالاستثمار الذكي لا بالتأجيل. وبهذا التوجه، ترسّخ السعودية موقعها كأحد الاقتصادات القليلة التي تبني نموها في وقت يتراجع فيه الآخرون.

00:21 | 4-12-2025

الزيارة التي أكّدت مسار المستقبل..!

في الوقت الذي يشهد فيه الاقتصاد العالمي واحدة من أكثر مراحله ضبابية خلال السنوات الأخيرة، تؤكد السعودية تحركها في مسار مختلف تماماً. فبينما تنكمش التوقّعات في العواصم الاقتصادية الكبرى، وتتصاعد مخاوف الركود، وتستمر أسعار الفائدة المرتفعة في إضعاف شهية الاستثمار حول العالم، يبرز الاقتصاد السعودي كحالة منفصلة عن السياق الدولي، حالة تتقدّم بينما يتراجع الآخرون، وتبني بينما تتردد دول كثيرة في اتخاذ القرار. العالم اليوم يعيش دورة تباطؤ واضحة؛ التجارة الدولية تفقد زخمها، أسعار الطاقة تتأثر بضعف الطلب الصناعي، الأسواق المالية تعيش حساسية كبيرة تجاه أي تغيّر في سياسات الفائدة، وحتى الاقتصادات الكبرى التي كانت تُعرف بقدرتها على امتصاص الصدمات باتت تبحث عن حلول تبقيها فوق خط النمو على أقل تقدير. ومع ذلك، تخطو المملكة في لحظة اقتصادية أكثر اتساعاً من أي وقت مضى، ليس لأنها محصّنة من التباطؤ العالمي، وإنما كونها تبني اقتصاداً لا يعتمد على الظروف الخارجية بقدر اعتماده على مشروع تحوّل داخلي عميق.

منذ سنوات، تتجه السعودية نحو إعادة تشكيل اقتصادها جذرياً، بعيداً عن دورات النفط التقليدية، وبعيداً عن قراءة الاقتصاد من منظور موسمي أو ظرفي. الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الصناعات، وتوسيع قطاع اللوجستيات، ودخول مجالات التقنية، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، كلها خطوات تشير إلى أن المملكة تسير وفق نموذج اقتصادي جديد تماماً؛ نموذج يراهن على المستقبل، لا على تقلبات الأسواق الآنية. هذا النموذج هو ما يفسر قدرتها على التحرك بثقة بينما تتباطأ حركة الاقتصاد العالمي. بعيداً عن تحسّن الظروف الاقتصادية العالمية يصنع الاقتصاد السعودي ظروفه الخاصة. لا ينتظر تراجع الفائدة كي يبدأ الاستثمار، ولا يربط نموه بمزاج الأسواق الدولية، بل يقوم على رؤية أوسع من دورات الاقتصاد التقليدية.

في قلب هذا التحوّل، جاءت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى الولايات المتحدة لتضيف بعداً أكثر عمقاً لهذا المشهد. الزيارة كانت امتداداً طبيعياً لاقتصاد سعودي يتحوّل من اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة إلى اقتصاد يقوم على الابتكار والشراكات التقنية والاستثمار النوعي، وهنا تخرج من كونها حدثاً سياسياً أو بروتوكولياً. العالم يناقش اليوم كيفية الخروج من مرحلة التباطؤ، بينما كانت الرياض في واشنطن تبحث كيفية قيادة المرحلة القادمة من الاقتصاد العالمي، من خلال اتفاقات تمتد إلى قطاعات الذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة، والصناعات الدفاعية، والاقتصاد الرقمي، والتقنيات الحيوية، وهي القطاعات ذاتها التي ستحدّد شكل المنافسة الاقتصادية خلال العقدين القادمين. بهذا المعنى، حملت الزيارة رسالة واضحة: إن الشراكة السعودية الأمريكية تنتقل من علاقة طاقة تقليدية إلى علاقة تكنولوجية واستثمارية عالية القيمة، علاقة تعكس طموحاً اقتصادياً يتجاوز اللحظة الراهنة إلى ما بعدها. زيارة ولي العهد الأخيرة للولايات المتحدة دليل على أن المملكة تتحرك اليوم استجابةً وصناعة للواقع الحالي والمستقبلي معاً. من يقرأ بين السطور لتلك الزيارة سيشعر لوهلة أن الرسالة كانت واضحة للعالم أجمع، وهي أن الاقتصاد السعودي لا يبحث عن مكانه في خريطة العالم فقط، وإنما يسعى ليكون أحد الذين يرسمون تلك الخريطة في السنوات القادمة.

إن الربط بين هذا التحوّل وبين تباطؤ الاقتصاد العالمي يكشف الفارق الكبير في طريقة تفكير المملكة. فبينما تتردد دول كثيرة في اتخاذ خطوات جريئة خلال فترة التباطؤ، تتحرك السعودية بطريقة معاكسة؛ توسع استثماراتها، تبني قدراتها، تعقد شراكات استراتيجية، وتدخل مجالات جديدة لا تزال حتى الدول المتقدمة تتعامل معها بحذر. هذه ليست مجرد قراءة متفائلة، فهذا واقع تؤكده مؤشرات النمو، والاستثمار، والبنية التحتية، وقدرة المملكة على جذب شركات عالمية إلى الرياض في توقيت تتراجع فيه حركة الاستثمار الدولي.

00:15 | 27-11-2025